عثمان بن جني ( ابن جني )

190

الخصائص

وإن رأيت الحجج الرواددا * قواصرا بالعمر أو مواددا " 1 " قلت : هذا ظهر على أصله منبهة على بقيّة بابه ، فتعلم به أنّ أصل الأصمّ أصمم ، وأصل صبّ صبب ، وأصل الدوابّ والشوابّ الدوابب والشوابب ؛ على ما نقوله في نحو استصوب وبابه : إنما خرج على أصله إيذانا بأصول ما كان مثله . فإن قيل : فكيف اختصّت هذه الألفاظ ونحوها بإخراجها على أصولها دون غيرها ؟ قيل : رجع الكلام بنا وبك إلى ما كنّا فرغنا منه معك في باب استعمال بعض الأصول وإهمال بعضها ؛ فارجع إليه تره إن شاء اللّه . وهذا الذي قدّمناه آنفا هو الذي عناه أبو بكر رحمه اللّه بقوله : قد تكون علّة الشئ الواحد أشياء كثيرة ، فمتى عدم بعضها لم تكن علّة . قال : ويكون أيضا عكس هذا ، وهو أن تكون علّة واحدة لأشياء كثيرة . أمّا الأوّل فإنه ما نحن بصدده من اجتماع أشياء تكون كلّها علّة ، وأمّا الثاني فمعظمه الجنوح إلى المستخفّ ، والعدول عن المستثقل . وهو أصل الأصول في هذا الحديث ؛ وقد مضى صدر منه . وسترى بإذن اللّه بقيّته . واعلم أن هذه المواضع التي ضممتها ، وعقدت العلة على مجموعها ، قد أرادها أصحابنا وعنوها ، وإن لم يكونوا جاءوا بها مقدّمة محروسة فإنهم لها أرادوا ، وإيّاها نووا ؛ ألا ترى أنهم إذا استرسلوا في وصف العلّة وتحديدها قالوا : إن علّة شدّ ومدّ ونحو ذلك في الادغام إنما هي اجتماع حرفين متحرّكين من جنس واحد . فإذا قيل لهم : فقد قالوا : قعدد ، وجلبب ، واسحنكك ، قالوا : هذا ملحق ، فلذلك ظهر . وإذا ألزموا نحو أردد الباب ، واصبب الماء ، قالوا : الحركة الثانية عارضة لالتقاء الساكنين ، وليست بلازمة . وإذا أدخل عليهم نحو جدد ، وقدد ، وخلل " 2 " ، قالوا : هذا مخالف لبناء الفعل . وإذا عورضوا بنحو طلل ، ومدد ، فقيل لهم : هذا على وزن الفعل قالوا : هو كذلك ، إلا أن الفتحة خفيفة ، والاسم أخفّ من الفعل ، فظهر التضعيف في الاسم ؛ لخفّته ، ولم يظهر في الفعل - نحو

--> ( 1 ) الرجز لرؤبة في ديوانه ص 45 ، وتاج العروس ( ردد ) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 1 / 52 ، ونوادر أبى زيد ص 164 . ويروى الحجيج بدلا من : الحجج . ( 2 ) والخلل جمع الخلّة . والخلة من النبات ما كانت فيه حلاوة من المرعى . اللسان ( خلل ) .